
في ظل هذا المشهد الدولي المضطرب، لم يعد من المنطقي أن يُثار الاستغراب إزاء أطماع بعض القوى الإقليمية، سواء كانت أطماع الإمارات في السودان، أو أطماع الكيان الصهيوني في أرض فلسطين، أو سعي إثيوبيا المحموم للحصول على منفذ بحري خاص بها تحت ذرائع قانونية أو تنموية واهية، فهذه السلوكيات ليست استثناءً عن القاعدة، بل هي انعكاس مباشر لتحوّل خطير في بنية النظام الدولي، حيث بات منطق القوة يعلو على منطق القانون، وأصبحت المصالح تُنتزع بدل أن تُفاوض.
إن ما جرى في فنزويلا، من فرض الوصاية بالقوة على دولة ذات سيادة والاستيلاء على مواردها النفطية تحت غطاء سياسي وأمني قد وجّه رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن من يمتلك القوة يستطيع إعادة تعريف الشرعية، وأن احترام الحدود والسيادة بات مسألة نسبية تخضع لموازين النفوذ لا للمبادئ وفي هذا السياق، تجد قوى إقليمية طموحة نفسها أمام نموذج دولي مُغري إذا كانت القوة العظمى الأولى في العالم تمارس الهيمنة بلا مساءلة، فلماذا يُطلب من الآخرين ضبط النفس؟
وعليه فإن أطماع الإمارات في السودان لا يمكن فصلها عن هذا المناخ الدولي، حيث تُقدَّم التدخلات الاقتصادية والعسكرية على أنها استثمارات أو شراكات، بينما هي في جوهرها محاولات لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية بما يخدم مصالح استراتيجية بعيدة المدى، خصوصًا في بلد يعاني من هشاشة الدولة وتفكك السلطة وكذلك الحال بالنسبة للكيان الصهيوني، الذي لم يتوقف يومًا عن توسيع أطماعه في أرض فلسطين، مستندًا إلى دعم دولي وغربي غير مشروط، ومتغذيًا على سابقة دولية خطيرة مفادها أن الأمر الواقع، إذا فُرض بالقوة، يتحول مع الزمن إلى «حقيقة سياسية».
أما إثيوبيا فإن سعيها للحصول على ميناء خاص بها، سواء عبر الضغوط السياسية أو التهديدات غير المباشرة، تحت ذرائع التنمية أو الضرورة الاقتصادية، يعكس الفكرة ذاتها اختلاق مبررات قانونية أو أخلاقية لتبرير مساس مباشر بسيادة دول أخرى فحين يغيب الردع الدولي الحقيقي، تصبح الذرائع الوهمية أداة فعالة لشرعنة التوسع.
في المحصلة إن السؤال الحقيقي ليس لماذا تطمع هذه الدول، بل لماذا لا تطمع ؟ فالنظام الدولي الحالي، كما يتجلى في الحالة الفنزويلية، لم يعد يعاقب السلوك التوسعي، بل يكافئه ضمنيًا إذا كان مدعومًا بالقوة والقدرة على فرض الأمر الواقع وهنا تكمن الخطورة الأكبر انتقال العدوى من قوة عظمى إلى قوى إقليمية، ما يجعل العالم ساحة مفتوحة لصراعات الموارد والنفوذ، ويحوّل القانون الدولي إلى نص أخلاقي بلا أنياب.



